جبل صبر.. وكر النسور "فيلم وثائقي"

@ تعز، نيوزيمن، قناة الجمهورية: تقارير

2020-11-13 12:57:42

هل تخيل أحد يوماً ما أن يكون "سهيل اليماني" في متناول يده؟! 

من على سفح الجبل الحاضن لمدينة النجوم "ستصعد السماء وتبلغ الأسباب" بسهولة.

لا تُذكر تعز إلا ويذكر معها جبل صبر الشامخ الذي استوطنه الإنسان اليمني منذ العصور الغابرة.

يرتفع الجبل عن سطح البحر بنحو 3 آلاف متر، ليكون ثاني أكبر جبل في الجزيرة العربية، ذكره أحد الرحالة العرب بأنه شبيه بجبل "قسيون"، وأسمى تعز بـ"دمشق اليمن" بسبب وجود هذا الجبل الحاضن للمدينة وقبابها البيضاء الموردة بحمرة "القاهرة".

فيما أشار إليه الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب "بأنه من الجبال المسنمة من المعافر ويسكنه الحواشب والسكاسك، ووصفه بأنه "مَلِك الجبال الجنوبية".

في صبر أنت على متحف تاريخي طبيعي سياحي على الهواء الطلق، وحيثما وجهت وجهك ستجد مآثر ودلالات وشواهد حضارية، وإلى اليوم ما تزال ثمة تسميات حميرية تسبق بكلمة "ذي" على الكثير من القرى في صبر ك"ذي مهنة" و"ذي عنقب" و"ذي مرين" و"ذي البرح".

ويرجع النسابة أصل الكثير من قبائل جبل صبر بمديرياته الثلاث: (الموادم، ومشرعة - حدنان، والمسراخ) إلى أفخاذ وملوك حميريين كابن شهران، ومعفر، وبتع بريل، وذي مراثد، وجبأ، والرائش والكرندي بن سبأ الأصغر.

 يتكون الجبل من صخور جراتينية تعود إلى العصر الثلاثي، ووجد فيه مقبرة صخرية في قرية تدعى "المحراق" تقع في مديرية صبر الموادم، ويرجح أنها سبئية تعود إلى ما قبل الميلاد، فيما يعتقد بعض المؤرخين بوجود للقتبانيين في مناطق من الجبل خلال الخمسمائة السنة الأخيرة قبل الميلاد. ويزدهر الجبل بزراعة الحبوب وبعض الحمضيات، ويتفرد بمناظر خلابه جعلته رمزاً للجمال والعشق، ومقصدا للأدباء والشعراء والفنانين.

من أكثر ما يميز أبناء صبر ونساءهم، الزي الصبري الجذاب الذي بات رمزاً للباس اليمنيين بشكل عام، ويرتبط لباس المرأة الصبرية بزي السبئيات، كما يؤكد ذلك شاهد قبر يعود إلي المائة الأخيرة قبل الميلاد لامرأة سبئية مدون اسمها بالمسند "حيوة ضمران" وهي ترتدي قميصاً مفترضاً فيه تطريز ينسدل من جهتي اعلى الصدر نحو الأسفل ليلتقي ويشكل حرف"U" بصورة تتطابق مع شكل وتطريز "القميص" الصبري.

وعلى مدى التاريخ تنافست كثير من الدول للسيطرة على جبل صبر وحصونه، كالدولة الصليحية ثم الزريعية فالأيوبية ثم الرسوليون إلى أن سيطر عليه الطاهريون، وأخيراً القائد التركي "أويس باشا" الذي أحكم قبضته على الجبل بمساندة جيوشه الجرارة المجهزة بأضخم العتاد، ثم الأئمة بعد خروج الأتراك. 

وكان أدهى الأئمة هو الطاغية أحمد حميد الدين الذي اتخذ من تعز عاصمة لدولته، وقد كانت رؤيته أن من يسيطر على جبل صبر فقد سيطر على تعز قاطبة، لذلك فقد حاول إحكام قبضته على كل مناطق الجبل بالحديد والنار وسلط "العُكفة" على المواطنين من أبناء جبل صبر وغيرهم من مناطق تعز يسومونهم سوء العذاب بالنهب والغطرسة والابتزار. وأشار الأستاذ أحمد محمد نعمان في كتابة "مذكرات النعمان" إلى الجبايات والتسلط الذي كان يمارسه هؤلاء الأفراد في حق الفلاحين في كل مناطق تعز وفرض الضرائب الفادحة وما تسمى بالزكاة والواجبات والتي كانت تتراكم على المزارعين حتى وإن لم تنتج الارض بسبب مواسم الجفاف الامر الذي أدى بكثير من فلاحي تعز إلى بيع الارض لتسديد ولو ربع ما فرض عليهم من قبل الكهنوت ثم الهجرة إلى عدن أو الحبشة للبحث عن مصدر رزق بعيداً عن غطرسة الإمامة السلالية وعكفتها الطغاة.

وأبرز ذلك أيضاً القيل مطهر الارياني في قصيدته البالة التي غناها الفنان الكبير علي بن علي الآنسي.

في العام 1920 سجل التاريخ ثورة ضارية لأبناء صبر ضد الإمامة وعكفتها الطغاة حينما اقدم العسكر على ممارسة سلوكيات قبيحة في منطقة "صَنِمات" -إحدى عزل مديرية المسراخ التابعة لجبل صبر- بعد أن ارسلهم عامل الإمام يحيى على صبر حينها حسين جبالة إلى تلك المنطقة.

وبدأت الحكاية وفقاً للباحث بلال الطيب حينما طلب قائد العكفة ويدعى حمود الرداعي من أحد ابناء "صنمات" إحضار امرأته كي تدلك له قدمه.

فأوهمه المواطن بالموافقة على ذلك، ثم عاد سريعاً إلى أهله يخبرهم هول ما طُلب منه، لتقرع طبول الحرب ضد الكهنوتيين للتو، فتوافدت الحشود من المناطق المجاورة، وفيما كان العسكر ينتظرون العشاء وتدليك الأقدام، داهمهم ثوار الكرامة وجزوا اعناقهم جميعهم، باستثناء أحدهم حاول الهروب عبثاً ليلحق مصير من سبقه.

وبعد الإجهاز عليهم والانتصار لكرامة امرأة "صَنِمات" التي كانت مطلوبة لتدليك اقدام قائد العكفة، دخلت إلى الديوان الممتلئ بالقتلى من عسكر الامام تدوس بقدمها على جثثهم واحداً واحداً مرددة "إنِّي افحسكم الآن" أي أدوسكم تحت قدمي. وخضبت يدها بالدماء وحطت ثلاث نقاط على وجهها اثنتين منها على خديها والثالثة على جبينها دلالة على الثأر لكرامتها بالدم، ليصبح ذلك فيما بعد تقليداً لدى نساء صبر تحول إلي زينة استبدلت الدم بالخضاب.

وبمجرد وصول الخبر إلى ما يسمى بالامير علي الوزير حينها جُن جنونه فأرسل ما لديه من "عُكفة" مزودين بمدفع للانضمام إلى عامل صبر حسين جباله الذي رابط في قرية "الصراري" القريبة من "صنمات"، وتمكن بذلك من حصر وعزل الثوار في منطقتهم.

ولم يكتف الوزير بذلك ولكنه أيضاً ارسل لطلب النجده إلى عامل إب فوصلت الإمدادات من إب ومناطق أخرى، ليتم توجيهها للّحاق بمن سبقها إلى "صنمات" وفقاً للمؤرخ السلالي عبدالكريم مطهر.

استعد أبناء "صنمات" للجيش الإمامي الكثيف، ورغم قلة عددهم أمام عسكر الإمام، الا أن الاخيرين لم يجرؤوا على المواجهة رجلا لرجل، واكتفوا بقصف المنازل وتجمعات الثوار بالمدفعية حتى قتلوا الكثير من المواطنين ودمروا البيوت.

ثم اقتحموا المنطقة بعد ذلك واستباحوها وما حولها من قرى ونهبوا المواشي والحبوب ودمروا المدرجات الزراعية.

ثم هدمت منازل "صنمات" من قبل العكفة بموجب توجيهات الإمام وفقاً لما اورده مؤرخ السلالة، وهي العادة التي يُعملها الحوثيون حالياً في هدم منازل معارضيهم مع الإشارة إلى استخدام الحوثييين تقنية التفجير عن بعد اختصاراً للوقت والجهد وكذا الامعان في قهر الخصوم، وارعاب كل من يفكر بالتمرد عليهم.

توالت ثورات الكرامة الصبرية ضد الائمة وطغيانهم ومن "صنمات" ذاتها اتت الثورة الثانية ولكن هذه المرة ضد الابن أحمد يحيى حميد الدين الذي ارسل 500 مقاتل انتقاما للتنكيل ب"عكفيين" من قبل ابناء المنطقة ذاتها، وتم محاصرة "صنمات" حتى اقتحامها بصعوبة ومن ثم نهبها وتدمير المنازل كما فعل سابقوهم.

وخلال عهود الكهنوت برزت أسر مناضلة وابطال كُثر من أبناء صبر، على سبيل الذكر منهم لا الحصر، أسرة عثمان، من بينهم الشيخ محمد علي عثمان، ذاك الصبي الذي أخذه الامام يحيى رهينة طفلاً لكبح جماح أي دور ثوري ضد الامامة للاسرة وبخاصة والد الرهينة الشيخ علي عثمان، ليتحول الولد محمد إلى ثائر جسور فيما بعد ضد الإمامة السلالية.

ومن اعمال الشيخ محمد علي عثمان الثورية توزيع برنامج رسالة الاحرار في تعز وإب فضلاً عن اسهامه في جمع التبرعات لإنشاء صحيفة "صوت اليمن".

اسهم عثمان في ثورة 1948 ونفذ مهمة الزحف بمتطوعين رفقة قبائل قضاء ماوية إلي مدينة إب ثم ذمار لانقاذ واطلاق الأحرار المعتقلين فيها، ثم مواصلته النضال فيما بعد من مصر لتنسيق العمل الوطني مع الاحرار هناك، وكان له شرف الالتحاق بمعارك الدفاع عن الثورة ضد قوى الكهنوت، حتى تم اغتياله غدراً في 30 مايو من العام 1973، وبذلك يكون دفع محمد علي عثمان رأسه ثمن نضاله ومواقفه الوطنية الثورية.

ومن أبطال صبر أيضاً الشيخ عبدالرحمن أحمد الثائر الفذ ضد الكهنوت، والذي ورث من أبيه الشيخ أحمد عبدالله عبدالغني النضال والرغبة في التحرر من الإمامة.

انطلق كالبرق يشارك في ثورة ال26 من سبتمبر، ويعد أول من شكل جيشا نظاميا في تعز لحماية الثورة والجمهورية بدأ تحت مسمى "فوج صبر وجبل حبشي وشرعب" استخدم البطل عبدالرحمن علاقاته لاستقبال المتطوعين، ومن ثم سُمِّي الفوج بلواء السلام بعد تجهيزه وتدريبه، وعين الشيخ عبدالرحمن قائداً له، وقد انخرط لواء السلام مباشرة في الاعمال القتالية ضد الائمة في كل من معبر، ونقيل يسلح، والحيمتين، وجبال صرواح، وغيرها، وكان البطل عبدالرحمن أحمد من قادة فك حصار السبعين وقد تقلد اوسمة عدة، وتنقل في مناصب كثيرة في الدولة، ليحصل أخيراً على رتبة لواء، وتوفي في 31 من اكتوبر من العام 2014 بعد أقل من شهر على اكتساح الامامة الجديدة صنعاء ثم اليمن كافة.

ومن أعلام صبر الذين لا يشق لهم غبار من تذكر صبر ويذكرون معها الشيخ الدكتور عبدالوهاب محمود، أحد اعمدة الإدارة الحديثة في اليمن و"دايجرام" الاقتصاد الوطني وهو عضو أول لجنة مالية للإعداد للوحدة اليمنية وعضو مؤسس في مجلس إدارة كل من البنك المركزي اليمني والبنك اليمني للانشاء والتعمير. تعين في العام 1974 وزيراً للاقتصاد، ثم وزيراً للزراعة في العام 1982 ثم سفيرا للكويت فالمغرب، ثم وزيرا للكهرباء في أول حكومة للوحدة اليمنية في العام 1990، وانتخب عضواً لمجلس النواب في أول انتخابات برلمانية بعد الوحدة في العام 1993 ثم انتخب من قبل اعضاء المجلس ليكون نائبا لرئيس مجلس النواب وتم إعادة انتخابه عضوا في البرلمان لفترتين اخريتين في كل من انتخابات 1997و 2003.

في الرجعية الإمامية الجديدة استبسل ابناء صبر بالمديريات الثلاث في الوقوف ضد المليشيا الحوثية ومرغوا انفها، ومنذ أول محاولة اقتحام لجبل صبر شكلوا مجلساً عسكرياً طوعيا للمقاومة، رغم انهم شخصيات مدنية، وجمعوا التبرعات من اغنيائهم وتجارهم والمقتدرين واحضروا الاسلحة ولقنوا الحوثيين دروساً بالغة في البطولة والتضحية وبمساعدة طيران التحالف ورغم الامدادات العسكرية الضخمة والارتال والمعدات التي كانت تدفع من قبل الذراع الايرانية لاقتحام الجبل لكن الشجر والحجر والاطفال والنساء والشيوخ والشباب ابتلعت المليشيا ولم يعد منهم أحد، الا من فر معاقاً أو مصابا، الأمر الذي اصاب زعيمهم بالهستيريا، ووجههم انتقاماً بقصف القرى بالمدفعية والصواريخ، وما يزال نسور الجبل يرفدون الجبهات في تعز وخارجها ضد الائمة الجدد، ولن يهدأ لهم بال الا بإرجاع الكهنوتيين إلى كهوفهم، الكهنوتيين الذين لفظتهم تعز وابناؤها منذ مجيئهم الأول.

لمتابعة أوفى، شاهدوا جبل صبر بالوثائق منذ ما قبل الميلاد، ثم نضال نسور الجبل ضد الإمامة القديمة والجديدة في هذا الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة "الجمهورية" على هذا الرابط: