ماجد زايدماجد زايد

حريات فرنسا وحملات الإسلام السياسي

مقالات

2020-10-28 11:28:01

دعونا نتحدث لمرة أخيرة، ولتكن بأخلاق ومنطق ومعرفة وعقلانية، بعيدًا عن نزعة الحميّة العربية المرتبطة بـ فزعة العاطفة والدين..!

في فرنسا تحدث مانويل ماكرون خلال حفل تأبين المعلم الذي قطع الشاب المسلم رأسه بـ باريس، خرج ماكرون يتعهد بعدم الإنصياع للتهديدات والرسائل المبطنة والتطرف المرسوم بعناية، قال متعهدًا للفرنسيين: لن نتخلى عن الرسم والكاريكاتير والفن والأدب والجمال، لم يكن يعني رسمًا معينًا أو كاريكاتيرًا بحد ذاته، كان يتحدث عن الرسم كرسم والكاريكاتير المعروف كـ كريكاتير، كأشكال حياتية معروفة، لم يقحم الرجل نفسه في تأييد أو إدانة فكرة معية عن الرسم والكاريكاتير بقدر تعهده بالبقاء على فرنسا وحريات فرنسا الضامنة للحريات والثوابت.

في هذا الحفل كان ماكرون مصدومًا من هوّل الرد على خطابه قبل أيام، الخطاب الذي قال فيه بأن "الإسلام يعيش في أزمة"! لم يتوقع أن يحدث ما حدث بعدها، أن يُذبح رجل فرنسي كضحية ورد فعل، لم يتوقع إطلاقًا حدوث ما حدث..!

بالمناسبة، نحن المسلمون نعيش في أزمة حقيقية، تمامًا كما قال ماكرون عنا، لم يكذب ماكرون أذًا، أزمتنا توسعت وأوغلت كثيرًا في بكاء العالم وشفقته عنا وعن ضحايا الحروب المذهبية في أوطاننا ومذاهبنا، اليس هذا صحيحًا..؟!

نحن نقتل بعضنا البعض بعشرات الألاف من الضحايا..!

الآ يموت بالفعل منا عشرات الألاف من البشر بسبب الدين والمتحاربين على السلطة ومبرراتها..!

كل هذا صحيح بالفعل، لدينا أزمة وكارثة حالت بيننا كمسلمين وبين فهم الأزمة التي جعلتنا أكثر الأمم تصديرًا للإرهاب والإرهابيين، وأكثر الدول نسبًا في الفقر والتخلف، وأقل الدول إسهامًا بالكشوف العلمية والخطابات العقلانية..!

لماذا نستغرب أذًا..؟!

ماكرون قال الحقيقة فقط..!

ما كذب ماكرون عنا، لكننا نريده أن يكذب فقط، أن يكذب علينا بطريقة التدهين والتسطيح والتغفيل لنحبه بعدها، لنقول عنه أسد السنة أو المهدي القادم من فوهة الجهل والغباء..!

أنا لا أدافع عن ماكرون، كلا، أنا أقول الحقيقة التي أعرفها، أقولها كمسلم يعرف الإسلام والمجتمع المسلم والعقلية الإسلامية العربية عن ظهر قلب، يعرف تفاصيلها وتفاصيل محركاتها وديناموهات تفعيل حميتها وفزعتها من قبل القوادين لأغراض سياسية، ماكرون يوم تحدث عن فجوة وأزمة الإسلام كان يعني التجديد في الخطاب والشكل، وهذا كـ عادته وتجاربه المبنية على التجديد في أوروبا والإتحاد الأوروبي، التجديد بشكل عام وبشتى مجالات الحياة، التجديد الذي أوصله للشانزليزيه بباريس، الذي غير بطابعه عمق الإتحاد الأوربي من الداخل، وهو ذات التجديد الذي يهدد أسلمة تركيا الأردوغانية ويرفض إندماجها وطموحها ضمن إتحاد مبني على أساس الديموقراطية والعلمانية وثوابت الحداثة والتسامح..!

ولكن ماذا حدث..؟!

تصريح ماكرون عن الإسلام أثار غضب المسلمين في أنحاء العالم..!

تعلمون، سيظل هذا الغضب المتكرر والمزمن حائلاً بيننا كمسلمين وبين فهم الأزمة الحقيقية التي نعيشها منذ عقود وقرون، الأزمة التي جعلتنا أكثر الأمم تصديرًا للإرهابيين والمتطرفين..!

هذا التراكم من ردود الفعل المتطرف بحسب خالد منتصر في الوطن المصرية نتج عن فهمنا نحن المسلمين لهذا الدين وفزعنا ورعبنا من تجديد الفكر الديني، وخوفنا المزمن من أن هذا التجديد سيضيع الدين إلى آخر تلك الأوهام، التي تنعكس بالضرورة على طريقة تفكيرنا في كل مناحي الحياة الأخرى..!

بعد خطاب ماكرون عن أزمة الإسلام بأيام فقط ذبح معلم جغرافيا فرنسي بسكين شاب مسلم، كان الشاب الشيشاني يسأل الأطفال في الشارع القريب عن المعلم الذي عرض ويعرض صورًا مسيئة للنبي.

لم يكن يعرفه قبلها، كان يبتسم للأطفال بينما يسأل عن الضحية، كان مرسلًا بالفعل ومهيئًا فقط، هذا الشكل من الجرائم اللاحقة للتصريحات الفكرية لابد من دراستها جيدًا والبحث عن علاقة الحدثين ببعضهما، ومن هو المستفيد من الجريمة وأصداءها البعدية..

بالفعل قتل المعلم بباريس وقتل ذابحه، قتلا بذات المكان والتوقيت لكن دون أن يعرف أحد مبررات المعلم للرسومات المسيئة، ودوافع الشاب الشيشاني لقتل المعلم، طمست الجريمة في غضون دقائق وبقيت الأصداء والكراهية والحملات المرافقة والإستغلالات السياسية المصاحبة تسير الحشود والقطعان، بدأت اللعبة القذرة بعد تفعيل وتنشيط عواطف الدين والإسلام وإيقاظ العداء الديني في رؤوس القطعان العريضة من العرب والمسلمين..!

وهنا تأتي عدة قضايا وملفات أهمها تركيا وأردوغان وليبيا وغاز المتوسط والإنضمام المرفوض للأروبي بفاعلية ماكرون وحدها.

ماذا بعد..؟!

كالعادة، تتكفل الفزعة العاطفية للإسلام والنبي بباقي الحكاية، تمامًا كما تكفلت بالسوفيت والشيشان وكشمير وباقي البؤر الإستنزافية ولو بمجرد التهييج العاطفي، فرنسا المقبولة عربيًا وأسلاميًا وعبر أجيال وعقود تتم شيطنتها، اليمين المتطرف يستغل الأمر سياسيًا على حساب اليسار المنفتح على المسلمين لينتج بعدها تصادم الشكلان السياسيان، لتأتي المحصلة طردًا أخيرًا للعرب والمسلمين بالإضافة الى منع الهجرة وتجنيسن الوظائف ومنع الحريات وإغلاق البلد نهائيًا في وجه المساكين، ومن جانب أخر، هذه التناولات والحملات التحريضية ستجعل اليسار الفرنسي المنفتح على الإسلاميبن يفكر جديًا بالتخلي عن موقفه المساند لهم كموقف سياسي فكري.

وبالطبع سيقف بصف الوطن ضد حملات الإسلام السياسي المدعومة من دول أخرى كـ تركيا أردوغان كموقف واضح أيضًا ، قد تدفعه فعلًا لإعادة النظر في استراتيجيته الداعمة للجماعات الدينية الإسلامية، والمعركة الأوروبية المقبلة ستكون بلا شك ضد الجماعات الدينية في أوروبا كنتيجة حتمية لحملات الجماعات الدينية على فرنسا..!

أخيرًا..

علينا أن نخجل في تعاطياتنا مع المجتمعات الأخرى، علينا أن نتوقف عن الإنسياف وفق خطط وتوجيهات الأعجميين.

مازلنا كما كان أباؤنا وأجدادنا، مجرد منقادين خلف توجيهات العجم الأتراك والعجم الفرس، بلا أي جدوى أو برجماتيا، سوى بقايا جماجم مهدورة بالملايين في معارك الأخرين، في معارك المتحاربين على ممالكهم القديمة والجديدة، نحن الوقود ونحن الرماد، ونحن الضحايا في كل معركة.

هذا ما حدث للعربي عبر سياق التاريخ وعبر الف معركة ماضية، لم يكن له في كلها أي ناقة أو جمل لكنه مات فيها للأبد، كان ولا يزال مجرد دوافع دينية إستغلالية لم تنته في ذريته حتى اليوم..!

صدقوني، يكفي ما قدمناه للقوادين.!

يكفينا بؤسًا وموتًا واستغلالًا وانسياقا، يكفينا انجرارًا خلف الأوغاد من الخارج، الأوغاد القوادين نحو الموت والكراهية والتطرف، يكفينا تصديرًا للإرهابيين والمتطرفين، يكفيهم ما نالوه منا، ويكفينا كل هذا الدهر من التخلف والغباء، دعونا ولو قليلًا نتفرغ للتعليم ومؤسسات الدولة ومستقبل العيال، دعونا نترك الدين جانبًا ولنبدًا بتخليد دولة ترعانا جميعًا في وجه كل هؤلاء القوادين الأوغاد من الخارج..!

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->