من صنعاء وبيروت.. إيران تُدير مرحلة ما بعد الحرب عبر أذرعها الإقليمية
الحوثي تحت المجهر - منذ ساعة و 29 دقيقة
طهران، نيوزيمن:
تُظهر التطورات الأخيرة في المشهد الإيراني والإقليمي أن مرحلة ما بعد الحرب—سواء انتهت فعليًا أو ما زالت في حالة "تجميد استراتيجي"—تتجه نحو إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل القيادة في إيران وتحوّلات أذرعها الإقليمية.
في قلب هذا المشهد، تتركز التحليلات الغربية والإسرائيلية على ما تصفه بـ"مرحلة إعادة التموضع" داخل النظام الإيراني، خصوصًا مع تزايد النقاشات حول مرحلة الخلافة المرتبطة بمرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي، وهو ملف يُنظر إليه باعتباره الأكثر حساسية منذ عقود، نظرًا لارتباطه المباشر بتوازنات السلطة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني.
تقارير بحثية صادرة عن مراكز دراسات مثل مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي تشير إلى أن مرحلة الانتقال القيادي في إيران غالبًا ما تكون مصحوبة بإعادة توزيع واسعة للنفوذ بين مراكز القوة، خصوصًا بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، ما يجعل أي فراغ أو انتقال محتمل مصدر عدم استقرار داخلي وإقليمي في آن واحد
في هذا السياق، تتداول دوائر بحثية إسرائيلية تقديرات تفيد بأن طهران تعمل على إعادة تنظيم شبكات نفوذها الإقليمي عبر أدوات سياسية وعسكرية وإعلامية متوازية، في محاولة للحفاظ على قدرتها الردعية رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية. غير أن هذه القراءات تبقى في إطار التحليل الاستخباري غير المؤكد، ولا توجد أدلة علنية حاسمة تدعم كل تفاصيلها.
وتُظهر دراسات أمنية أن إيران تعتمد منذ سنوات على استراتيجية "التمدد غير المباشر" عبر حلفائها في المنطقة، خصوصًا حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، بما يمنحها قدرة على التأثير خارج حدودها دون مواجهة مباشرة مع خصومها.
تُعيد تقارير عسكرية إسرائيلية تسليط الضوء على جنوب لبنان بوصفه "جبهة مؤجلة" قابلة للاشتعال، في ظل الحديث عن شبكة تحصينات وأنفاق ممتدة مرتبطة بالبنية العسكرية لحزب الله. وتشير دراسات أمنية إلى أن هذا النمط من التحصينات يعكس عقودًا من الاستثمار الإيراني في بناء بنية ردع غير تقليدية على الحدود الشمالية لإسرائيل.
وتحذر مراكز بحثية مثل CSIS من أن أي مواجهة واسعة في هذه المنطقة قد تتحول إلى صراع متعدد الطبقات، يجمع بين الحرب التقليدية والصواريخ الدقيقة والعمليات غير المتكافئة
اليمن: جبهة الإمداد والضغط
في المقابل، يبرز اليمن كساحة حساسة في معادلة النفوذ الإيراني، عبر علاقته بـالحوثيون. وتشير تقارير غربية إلى أن استمرار الرحلات الجوية بين طهران وصنعاء يثير مخاوف بشأن طبيعة الإمدادات اللوجستية والعسكرية، رغم عدم وجود تأكيدات رسمية حول طبيعة الشحنات أو محتواها.
وتعتبر تقارير بحثية أن هذا المسار الجوي يمثل أحد أدوات "الربط اللوجستي غير المباشر" بين إيران وحلفائها، وهو ما يمنح طهران مرونة في إدارة نفوذها الإقليمي دون الاعتماد الكامل على خطوط الإمداد التقليدية
إلى جانب ذلك، لا يزال مضيق هرمز يشكل محورًا ثابتًا في أي حسابات تصعيدية، باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة العالمية. وتشير تقديرات أمنية إلى أن طهران تستخدم هذا الممر كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، دون الحاجة إلى خوض مواجهة عسكرية مباشرة.
في المقابل، تقدم وسائل إعلام غربية، من بينها ذا واشنطن بوست، قراءات ترى أن مؤسسات الدولة الإيرانية ما تزال متماسكة، وأن أي انتقال في القيادة يتم ضمن أطر مؤسسية تضمن استمرار الدولة، حتى في حال تغير الواجهة السياسية العليا. كما تشير هذه القراءات إلى أن النفوذ العسكري والأمني بات أكثر حضورًا في إدارة القرار مقارنة بالمؤسسات التقليدية.
بين تقديرات تتحدث عن إعادة تموضع إيراني واسع، وتحليلات أخرى تؤكد استمرار تماسك النظام، يبقى المشهد مفتوحًا على مرحلة انتقالية معقدة. فغياب اليقين حول مستقبل القيادة، وتعدد الجبهات الإقليمية، وتشابك أدوات النفوذ، كلها عوامل تجعل المنطقة أمام مرحلة "إعادة هندسة صامتة" لموازين القوة، قد لا تقل أهمية عن الحرب نفسها، بل ربما تُرسم نتائجها بعيدًا عن ساحات القتال المباشرة.
>
