تحركات إماراتية متسارعة لتعزيز التنسيق الخليجي.. شراكات استراتيجية لمواجهة التداعيات

السياسية - منذ ساعة و 8 دقائق
أبوظبي، نيوزيمن، خاص:

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تعزيز حضورها الدبلوماسي والإقليمي عبر سلسلة من التحركات السياسية الهادفة إلى تنسيق المواقف الخليجية واحتواء تداعيات التصعيد المتسارع في المنطقة، في ظل تنامي المخاوف من اتساع دائرة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على أمن الخليج، والممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

وفي هذا الإطار، أجرى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اتصالاً هاتفياً مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، تناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون المشترك، إضافة إلى مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار، في خطوة تعكس حرص البلدين على توحيد الرؤى الخليجية في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.

ويأتي هذا الاتصال ضمن حراك إماراتي متواصل يهدف إلى تكثيف المشاورات مع العواصم الخليجية والإقليمية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، فرضتها التطورات العسكرية والتوترات المتزايدة، وما يصاحبها من مخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية وسلامة سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

ويرى محللون أن أبوظبي تنطلق في تحركاتها من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي لم يعد مسؤولية دولة بعينها، وإنما يتطلب شراكات خليجية متماسكة، وتنسيقاً سياسياً ودبلوماسياً قادراً على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة، خصوصاً مع تعاظم المخاطر التي تهدد أمن الخليج ومصالحه الاقتصادية.

تنسيق خليجي في مواجهة مرحلة دقيقة

ويعكس التواصل بين الشيخ محمد بن زايد والسلطان هيثم إدراكاً مشتركاً لحجم التحديات التي تواجه المنطقة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني، وما تفرضه من ضرورة تعزيز التشاور بين القيادات الخليجية للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انتقال التوترات إلى مستويات أكثر خطورة.

ويؤكد مراقبون أن دولة الإمارات وسلطنة عُمان تمتلكان أدوات مهمة للمساهمة في تهدئة الأوضاع، نظراً لما تتمتعان به من علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، فضلاً عن تبنيهما نهجاً قائماً على دعم الحلول السياسية والحوار، باعتباره الخيار الأكثر فاعلية لتجنب التصعيد العسكري.

وتبرز سلطنة عُمان كإحدى الدول الخليجية التي لعبت أدواراً دبلوماسية بارزة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة خلال السنوات الماضية، فيما عززت الإمارات حضورها الإقليمي عبر دعم المبادرات الرامية إلى خفض التوتر، وتوسيع دائرة الشراكات السياسية والاقتصادية التي تسهم في ترسيخ الاستقرار.

ويفرض الموقع الجغرافي للإمارات وسلطنة عُمان أهمية استثنائية للتنسيق بينهما، إذ تشرف الدولتان على ممرات بحرية تمثل شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.

ومع تصاعد التهديدات التي تستهدف الملاحة البحرية، بات أمن الممرات البحرية قضية استراتيجية تتجاوز بعدها الاقتصادي، لتصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يفسر تنامي الاتصالات السياسية بين دول الخليج، والسعي إلى تعزيز التعاون الأمني والدبلوماسي لضمان استمرار انسياب حركة التجارة والطاقة دون اضطرابات.

ويشير خبراء إلى أن أي تصعيد عسكري في محيط الخليج ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، لتطال الأسواق العالمية، وترفع تكاليف الشحن والتأمين، وتؤثر في أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، الأمر الذي يجعل التنسيق الخليجي ضرورة استراتيجية أكثر من كونه خياراً سياسياً.

شراكة تتجاوز إدارة الأزمات

ولا تقتصر العلاقات الإماراتية – العُمانية على التنسيق السياسي في أوقات الأزمات، بل تستند إلى شراكة استراتيجية متنامية تشمل قطاعات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتجارة والنقل والخدمات اللوجستية، وهي مجالات تشهد نمواً متواصلاً في إطار رؤية مشتركة لتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي.

وخلال الأعوام الأخيرة، شهدت العلاقات بين البلدين زخماً متزايداً من خلال إطلاق مشاريع استثمارية مشتركة، وتوسيع التعاون في مجالات الموانئ والطاقة المتجددة، وربط المناطق الاقتصادية، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" والاستراتيجيات الإماراتية الرامية إلى بناء اقتصاد قائم على التنويع والابتكار والاستدامة.

ويرى اقتصاديون أن هذا التوسع في الشراكة الاقتصادية يمنح البلدين قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية، ويعزز مرونة اقتصادهما في مواجهة الأزمات، كما يسهم في ترسيخ مكانة الخليج مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.

ويحمل الاتصال بين الشيخ محمد بن زايد والسلطان هيثم رسائل سياسية واضحة، مفادها أن دول الخليج ماضية في تعزيز التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية، والعمل على حماية أمن المنطقة بعيداً عن الاستقطابات، مع التمسك بخيار الحوار والدبلوماسية باعتباره السبيل الأكثر قدرة على تجنب المواجهات العسكرية.

كما يعكس الحراك الإماراتي المتواصل رؤية تقوم على أن تعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية يمثل أحد أهم أدوات حماية الأمن الإقليمي، وأن التكامل الخليجي بات ضرورة لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتشابكة التي تفرضها التطورات الدولية.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو التحركات الإماراتية جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء شبكة من الشراكات الفاعلة داخل الخليج وخارجه، بما يضمن الحفاظ على استقرار المنطقة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وتعزيز قدرة دول الخليج على التعامل مع الأزمات عبر العمل الجماعي، وهو ما يمنح التنسيق الإماراتي – العُماني أهمية متزايدة في هذه المرحلة الدقيقة.