الحوثي يهرب من أزمات الداخل بتهديد السعودية وإحياء خطاب الحرب
السياسية - منذ ساعة و 4 دقائق
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في أول ظهور له عقب استهداف مدرج مطار صنعاء، عاد زعيم ميليشيا الحوثي الإرهابية، عبد الملك الحوثي، إلى رفع سقف التهديدات ضد المملكة العربية السعودية، متوعدًا باستهداف المطارات والمنشآت النفطية والحيوية إذا اتجهت الرياض إلى أي تصعيد عسكري، في خطاب أعاد إحياء معادلات الحرب والتعبئة العسكرية، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والمعيشية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وقال الحوثي إن جماعته ستتعامل وفق معادلة "المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار"، زاعمًا أن جميع المنشآت النفطية والحيوية السعودية ستكون أهدافًا لصواريخ وطائرات جماعته المسيّرة إذا ما شاركت المملكة في أي عمليات عسكرية ضد الحوثيين، داعيًا في الوقت نفسه عناصره إلى رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لما وصفه بمرحلة تصعيد جديدة.
وجدد زعيم الميليشيا اتهام السعودية بالوقوف خلف ما سماه "تجويع الشعب اليمني" وحرمانه من موارده النفطية والغازية، كما وسّع دائرة الاتهامات لتشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، مدعيًا وجود تنسيق بينها وبين الرياض لاستهداف ما وصفه بـ"محور المقاومة"، في استمرار للخطاب السياسي الذي يربط أزمات الداخل اليمني بصراعات إقليمية ودولية.
غير أن الخطاب، بحسب مراقبين، حمل مفارقة لافتة، إذ تضمن اعترافًا ضمنيًا بتدهور الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرة الجماعة، ووصول معاناة السكان إلى مستويات خطيرة، في وقت تجاهل فيه الأسباب الداخلية التي أوصلت ملايين اليمنيين إلى هذه المرحلة، بعد أكثر من اثني عشر عامًا من انقلاب الميليشيا على الدولة وسيطرتها على مؤسساتها.
ويرى متابعون أن الحوثي حاول مجددًا نقل بوصلة الاهتمام من الأزمات الداخلية إلى المواجهة الخارجية، عبر إعادة إنتاج خطاب الحرب والتهديد، متجنبًا الحديث عن ملفات الفساد والجبايات ونهب الإيرادات العامة وحرمان الموظفين من رواتبهم، وهي القضايا التي ظلت تمثل أبرز مظاهر الأزمة في المحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعته.
ورغم أن الحوثي رفع شعار "رفع الحصار واستعادة الحقوق"، إلا أن خطابه أغفل مراجعة السياسات الاقتصادية التي انتهجتها سلطات الجماعة خلال السنوات الماضية، والتي فرضت بموجبها عشرات الرسوم والجبايات على السلع والتجار والموردين، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية وزاد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
ويشير محللون إلى أن الحوثي انتقد الرسوم المفروضة على البضائع في المنافذ الواقعة خارج سيطرته، لكنه تجاهل الرسوم والضرائب التي فرضتها سلطاته على السلع الداخلة إلى مناطق سيطرته، ومنها الرسوم المفروضة على مادة الدقيق عبر منفذ الراهدة، والتي أسهمت في رفع أسعار السلع الأساسية، في تناقض مع خطابه الذي يرفع شعار الدفاع عن المواطنين.
كما أعاد الحوثي الحديث عن ملف المرتبات باعتباره أحد عناوين المواجهة مع السعودية، دون أن يقدم أي تفسير لاستمرار انقطاع رواتب مئات الآلاف من الموظفين في مناطق سيطرة الجماعة، أو يكشف مصير الموارد والإيرادات التي جرى تحصيلها خلال السنوات الماضية، بما فيها الأموال التي جُمعت تحت مسميات دعم المرتبات وصناديق خاصة، قبل أن تنعكس على شكل مزيد من الجبايات وارتفاع الأسعار.
وبحسب المحللون الخطاب تجاهل أيضًا فترة الهدوء النسبي التي أعقبت الهدنة الأممية، والتي استمرت لعدة سنوات، وكان يُفترض أن تمثل فرصة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والإدارية وتحسين الخدمات العامة وإعادة ترتيب أولويات الحكم، إلا أن الجماعة، بحسب هؤلاء، استثمرتها في تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع منظومة الجباية والتعبئة، دون تحقيق أي تحسن ملموس في مستوى معيشة السكان.
كما لم يتطرق الحوثي إلى ملفات شائكة، مثل أوضاع التعليم وصندوق دعم المعلم، الذي جُمعت باسمه مليارات الريالات، بينما ظل آلاف المعلمين يشكون من غياب أي حلول حقيقية لمعاناتهم، إلى جانب استمرار الاعتقالات والانتهاكات والتضييق على الحريات العامة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
ويذهب مراقبون إلى أن العودة إلى خطاب المواجهة الخارجية تعكس محاولة لإعادة تعبئة أنصار الجماعة وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية المتفاقمة، في ظل اتساع دائرة السخط الشعبي نتيجة الانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات واستمرار الجبايات، معتبرين أن التهديدات العسكرية أصبحت وسيلة متكررة لتبرير الإخفاقات الداخلية وإعادة تقديم الجماعة باعتبارها في حالة مواجهة دائمة.
ويؤكد المراقبون أن الاختبار الحقيقي لأي سلطة لا يقاس بقدرتها على إطلاق التهديدات أو توسيع ساحات الصراع، وإنما بقدرتها على إدارة مؤسسات الدولة، وصون الموارد العامة، وتحسين معيشة المواطنين، وتوفير الرواتب والخدمات الأساسية، وهي الملفات التي يقول منتقدون إن جماعة الحوثي أخفقت في معالجتها رغم مرور أكثر من عقد على سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة المواجهات العابرة للحدود، بعد التوترات الأخيرة المرتبطة بمطار صنعاء، وما تبعها من تبادل للاتهامات بين الحكومة اليمنية والميليشيا الحوثية، وسط تحذيرات من أن استمرار خطاب التهديد والتصعيد قد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التوتر، بينما تبقى الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها اليمنيون دون حلول حقيقية.
>
