الموجز

حسن العدينيحسن العديني

عاش ينثر الذهب

مقالات

2020-07-27 17:49:53

وأنا طالب في الثانوية كنت مولعاً بكتابات محمد المساح في جريدة الثورة ثم على غير موعد ظهر ساحر أكثر إغراء. حسن اللوزي، لا أتذكر أنه كان منتظماً كما هو حال صاحب لحظة يا زمن، لكن الاسم علق في الذاكرة.

وهكذا ظللت أقرأ كلما وقعت عيني على كلام يسبقه اسمه شعراً أو نثراً.

وكان حسن اللوزي قد أصبح وكيلاً لوزارة الإعلام عندما رأيته لأول مرة يمر من أمام مقهى زهرة الميدان بحي الدقي في القاهرة.

كان الوقت صيفاً والرجل يرتدي بنطلوناً وقميصاً ويشمر على نصف ساعديه.

هناك رأيته، أما حين سمعته أول مرة فقد كنت في صنعاء أقضي إجازة الصيف. كنا عشية الذكرى الخامسة عشرة لثورة ال 26 من سبتمبر ننتظر خطاب الرئيس إبراهيم الحمدي بالمناسبة في مجلس أحد اصدقائنا.

ولا أتذكر أين أمضيت المقيل لكن التقينا هناك، وبينما عيوننا معلقة على التلفزيون أطل حسن اللوزي يقدم الرئيس وينثر الكلام البهي من ورق أمامه، يدعو الناس إلى الاستماع لحديث يصدر من القلب إلى القلب، وتطوع أحد الحاضرين بالسخرية من المتحدث البارع في ضبط نغمات صوته وإتقان حركات وجهه ونقلاته بين الورق والفضاء.

الاستاذ/ حسن اللوزي
الاستاذ الراحل/ حسن اللوزي وزير الإعلام اليمني الأسبق

لا شك أن ذلك المتطوع الساخر لا يفهم في فن الإلقاء وأراد أن يهون من شأن اللوزي لمجرد انتمائه للماركسية فيما كانوا يظنون، غير أن عيسى محمد سيف قال بالعكس وأشاد بلغته وأدائه.

أثناء عمله وكيلاً لوزارة الإعلام أصدر مجلة معين عن مؤسسة سبأ للصحافة وجعل افتتاحيتها بتوقيعه تحت عنوان "إضاءة".

فيما بعد سيهدي هذا العنوان للرئيس علي عبد الله صالح ويخصص له زاوية صغيرة على يسار الصفحة الأولى بجريدة الثورة.

كنا نتابع المجلة بشغف ونحرص بصفة خاصة على قراءة الإضاءة، وكانت المجلة ترقى رغم حداثتها إلى مستوى المجلات العربية المحترمة، غير أنها تراجعت بعد أن تولاها غيره وصارت لا تساوي قيمة الحبر الذي تطبع به.

ثم عرفت حسن اللوزي على الصعيد الشخصي بعد أن تولى الوزارة واشتغلت بالصحافة، جمعتنا لقاءات وجلسات طويلة ونشأت بيننا صداقة حميمية.

جعلنا التشارك بتعاطي الدخان من المداعة نتجاور في المقيل، كثيراً في التوجيه المعنوي وقليلاً في منزله بالحي السياسي.

ومرة قال حسن اللوزي بمجرد أن جلس إن انقلاباً وقع في الشارقة أطاح فيه عبد العزيز القاسمي باخيه الشيخ سلطان، وقلت وقد ظهر علي الانزعاج إن سلطان ناصري فقال وعلى وجهه نصف ابتسامة لهذا قلت اسمعك أنكم خسرتم آخر موقع لكم في الوطن العربي.

كان حسن اللوزي مسكوناً بالشعر، حتى مقالاته وخطبه السياسية تنضح به. وفي بعض المرات كان يريني في مقيل الأربعاء أبياتاً من الشعر العمودي تلهى بكتابتها أثناء اجتماع مجلس الوزراء، وكأنما يهرب من كآبة المناقشات العقيمة إلى عوالم عمر بن ابي ربيعة ونزار قباني وغيرهما من شعراء الغزل.

ويوم ظهر صوت حسن اللوزي مطلع السبعينات ساهم بقسط وافر في تحرير الشعر العربي من الحشرجات والتأتات.

وقد صنفه بعض النقاد في مدرسة الغموض وبينهم من نسبه إلى أدونيس لكنه قال لي مرة "أنا خرجت من معطف عبد العزيز المقالح".

كنا وحيدين في مكتبه وامتد بنا الحديث عن الشعر بعد اتصال تلفوني أجراه مع الاستاذ عبد الله البردوني يبلغه فوزه بجائزة صدام حسين للأدب لسنة 1988 مناصفة مع يوسف ادريس عبقري القصة القصيرة وخرجت قهقهة البردوني من سماعة التلفون يعتذر عن الجائزة ويقول للوزي خذها لك.

إن حسن اللوزي صوتاً قوياً وذكياً دافقاً كالشلال، ولنقرأ اللغة في العناوين:
الصراخ في محكمة الصمت.
فاحشة الحلم.
أشعار للمرأة الصعبة.
المرأة التي ركضت في وهج الشمس.

قال بابلو نيرودا عن الاسبان "أخذوا منا الذهب، تركوا لنا الذهب.. أخذوا منا الذهب، تركوا لنا اللغة".
وقد عاش حسن اللوزي ينثر الذهب، وكان الذهب دائماً يفيض من فمه ويسيل من قلمه،
وكان قبل ذلك وبعده إنساناً بالمعنى الكامل للكلمة.. لقد حزنت عليه وبكى قلبي وإن لم تدمع عيناي.. رحمه الله.

-->