فيصل الصوفيفيصل الصوفي

ميدان شينا!

مقالات

2021-01-04 18:31:29

قبل خمسين سنة، تقريباً، كان الرجال في قريتنا إذا عابوا سلعة معينة قالوا هذي ميدان جبان (made in japan صنع في اليابان)، وبعد ذلك بسنوات قالوا تيوان، وكان ميدان شينا (صنع في الصين) أسوأ بضاعة، أما السلعة موضع الثقة وموضوع الفخار دائماً فهي ميدان انجلند (صنع في انجلترا).. وقبل مائة عام وزيادة، كتب الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون يقول: إن من يسمح لتقاليده أن تتعمق خلال قرون، يصبح كالصين، غير قادر على الإصلاح والتغيير!

نقرأ هذه العبارة اليوم، فنعتقد أن صاحبها كان إما ممازحاً، وإما غير مطالع كفاية، ولا نقول قروياً مثل أصحابنا، فهو من سكان باريس.. ومع ذلك فإن نظرته تلك ليس أكثر غشاوة من نظرات اليساريين الخلص، الذين ظلوا يهاجمون التجربة الصينية منذ العام 1949، باعتبارها قائمة على نظرية لا توصل إلى مرحلة الشيوعية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي حسب ما اعتقدوا.

لقد بنيت التجربة الصينية من أفكار زعيم الثورة ومؤسس الحزب الشيوعي ماو تسي تونج، وبعض أفكار الذين سبقوه أمثال صن يات صن.. هذه التجربة لم تكن منفصلة عن الماركسية في البداية، فقد أخذت منها، كما استلهمت أفضل ما في التراث الصيني الحي وليس الميت، ولذلك تميزت الشيوعية الصينية عن غيرها بخصوصيتها المحلية الواقعية، ولم تلتق مع الكتلة الشيوعية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي، إلا عند ماركس، وليس كل ماركس، فهذه جمعت بين أفكار ماركس ولينين، وبنت بذلك نظرية الماركسية- اللينينية، بينما عرفت النظرية الصينية بالماوية.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي تخاطب مختلف الفئات: عمالاً، فلاحين، مثقفين... الخ، بينما تركز الأخرى على دور العمال أو البروليتاريا محركي التاريخ وبناة الدولة المثالية- الخيالية (من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته).

خصوصية التجربة الشيوعية الصينية، دفعت الاتحاد السوفييتي وتابعيه في المعسكر الشيوعي، إلى مناصبتها العداوة، إذ كانت الماوية تعتبر خروجاً عن الماركسية- اللينينية، لا سيما في المجال الاقتصادي، حيث خففت الحكومة الصينية حمايتها للاقتصاد الشمولي، وأتاحت فرصة كافية للفئات الرأسمالية كي تؤدي دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي اعتبره نقادها تمكيناً لمستغلي ومضطهدي العمال والفلاحين ومصاصي دمائهم، حتى إنه عندما سعى رئيس جمهورية من اليمن الديمقراطية الشعبية سالم ربيع علي للانفتاح على دول الجوار وعلى الدنيا كانت تهمته الكبيرة هي الماوية، قالوا إنه يتزعم التيار الماوي الساعي إلى حرف مسار النضال الثوري للبروليتاريا اليمنية! في سبيل البلوغ إلى الاشتراكية القائمة على فلسفة الماركسية- اللينينية.

في نهاية المطاف ماتت الماركسية- اللينينية، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وانهار المعسكر الشيوعي، والتحقت دوله بالمعسكر الرأسمالي والنظام الكولونيالي، بينما بقيت التجربة الصينية حية وتتطور.. من ذا يجادل اليوم حول الأنموذج الصيني الذي أصبح مضرب مثل؟ مضرب مثل في معدل النمو السنوي المتسارع الذي تعمل الحكومة هناك لكبحه حفظا للموارد البيئية والطبيعية.. مضرب مثل في الجانب الاقتصادي، إذ وصل الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى نحو 15 تريليون دولار في العام الماضي، لتقترب بذلك من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تحتل المرتبة الأولى في قائمة الاقتصاد العالمي في وقت قريب، على الرغم من أن مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال البريطاني توقع حدوث ذلك في العام 2028.. تصنف الصين ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، وفي هذه الأثناء شغلت الصين رؤساء دول وحكومات ومنتديات مختلفة بما تنجزه في مجالات التكنولوجيا، والتصنيع العسكري، وفي الزراعة والطب، ومكافحة الفساد والجريمة، كل هذا ميدان شينا اليوم، وإن كانت تعاب لجهة حصر الحكم في حزب واحد هو الحزب الشيوعي، فإن حكمة لديها مليار ونصف مليار أخنس أخفش، وتحقق كل ذلك وتزيد تصعد إلى القمر لهي جديرة بالاحترام كله.

-->